محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

192

الآداب الشرعية والمنح المرعية

والكرم والرحمة والقدرة ، فإن من ليس كذلك لا يدعي ، ومن يقول بالطبائع يعلم أن النار لا يقال لها كفي ، ولا النجم لا يقال له : أصلح مزاجي ، لأن هذه عندهم مؤثرة طبعا لا اختيارا ، فشرع الدعاء والاستسقاء ليبين كذب أهل الطبائع وقال : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [ سورة الحجر : الآية 21 ] . حتى لا يطلب إلا منه ، ثم أحب أن يظهر جواهر أهل الابتلاء فقال : لذا اذبح ولدك ، وقرص هذا بالبلاء ليحملهم على الدعاء واللجاء . وقال أيضا في الفنون : تستبطىء الإجابة من الله تعالى لأدعيتك في أغراضك التي يجوز أن يكون في باطنها المفاسد في دينك ودنياك ، وتتسخط بإبطاء مرادك مع القطع على أنه سبحانه لا يمنعك شحا ولا بخلا ولا نسيانا ، وقد شهد لصحة ذلك مراعاته لك . ولا لسان ينطق بدعاء ، ولا أركان لعبده ، ولا قوة تتحرك بها في طاعة من طاعاته ، فكيف وجملتك وأبغاضك وقف على خدمته ، ولسانك رطب بأذكاره ؟ لكن إنما أخر رحمة لك وحكمة ومصلحة ، وقد تقدم إليك بذلك تقدمة ، فقال سبحانه : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ سورة البقرة : الآية 216 ] . وأنت العبد المحتاج تتخلف عن أكثر أوامره ، ولا تستبطىء نفسك في أداء حقوقه . هل هذا إنصاف أن يكون مثلك يبطىء عن الحقوق ولا تنكر ذلك من نفسك ، ثم تستبطىء الحكيم الأزلي الخالق في باب الحظوظ التي لا تدري كيف حالك فيها هل طلبها عطب وهلاك ، أو غبطة وصلاح . وقال أيضا بعد أن تكلم على قوله تعالى : وَابْتَلُوا الْيَتامى [ سورة النساء : الآية 6 ] . والله سبحانه ينبهك على الاحتياط لنفسك وسرك ومالك ، بالاحتياط لمال غيرك ، لقد أوجب عليك ذلك التحرز والتحفظ والارتياد والمبالغة في الانتقاد لكل محل تودعه سرا أو مالا أو ترجع إليه ، أو مشورة تقتبس بها رأيا ، ونبهك على ما هو أوكد من ذلك وهو أن تعلم بأنك وإن بلغت الغاية من الفهم والعقل والتجربة يجوز أن يعلم الباري سبحانه تقصيرك عن تدبير نفسك . فإذا بالغت في الدعاء المحبوب نفسك جاز له سبحانه أن يعطيك بحسب ما طلبت ، ولا يرخى لذلك العنان بحكم ما له أردت ، بل يحبس عنك لصلاحك ، ويضيق عليك ما وسعه على غيرك نظرا لك ، لأنه في حجر الربوبية ما دمت عبدا ، فإذا أخرجك عن ربقة التكليف سرحك تسريحا ، ولا تطلب التخلية حال حبسك ، ولا التصرف بحسب مرادك حال حجرك فلست رشيدا في مصالحك ، فكن بالله كاليتيم ، مع الولي الحميم ، تسترح من كد التسخط ، وتنجو من مأثم الاعتراض والتحير ، وليس يمكنك هذا إلا بشدة بحث ونظر في حبك وقدرك . فإذا علمت أنك بالإضافة إلى الحكمة الربانية والتدبير الإلهي دون اليتيم بالإضافة إلى الولي